الشيخ محمد رشيد رضا

20

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الأرباب والأنداد ، كاعطاء حق التحريم والتحليل للأحبار والرهبان ، وطلب النفع ودفع الضر من دجالي الاحياء وقبور الأموات ، فغشيهم ما غشي أولئك من ظلمات الجهل ، وجعل الدين عدوا للعلم والعقل ، والنابتة العصرية المتفرنجة اتبعت سنن المرتدين والفاسقين منهم ، في شر ما صاروا اليه في طور فساد حضارتهم ، وقلدوهم حتى فيما لا ينطبق على أحوالهم ومصالحهم ، كذلك ضل الفريقان عن هداية القرآن ، واشتركا في إضاعة ما بقي من ملك الاسلام لا عالم الشرق بدينه ولا * مقتبس العلم من الغرب هدى وأما الإفرنج فهم وان كانوا على علم واسع بسنن اللّه في أحوال البشر وسائر أمور الكون ، قد نالوا به ملكا عظيما في الأرض ، فأكثرهم يجهل مصدر هذه السنن وحكم اللّه تعالى فيها ولا يعتبرون حق الاعتبار بما تعقب الشرور والمعاصي من الفساد في الأرض ، فهم كأقوام أولئك الرسل الذين لم تفدهم النعم شكر الرب المنعم ، ولم تفدهم النقم تقوى الرب المنتقم ، فقد استعملوا نعمه بالعلوم والفنون وتسخير قوى العالم لاستبعاد الضعفاء ، والسرف في فجور الأغنياء ، والتقاتل على السلطان والثراء ، ولذلك سلط اللّه بعضهم على بعض ، وصدق عليهم قوله عز وجل : ( 6 : 65 قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ * انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ) كما بيناه في تفسيرها ( ص 493 ج 7 تفسير ) فعلم بما ذكر وبغيره أن العلم بسنن الاجتماع والعمران لا يغني عن هداية الدين التي توقف أهواء البشر ومطامعهم أن تجمح إلى ما لا غاية له من الشر ، أولو لا أن عند بعض أمم أوربة بقية قليلة منها تتفاوت في أفرادهم قوة وضعفا ، لحشرتهم المطامع والأحقاد صفا صفا ، فدكوا معالم ارضهم التي بلغت منتهى العمران دكا دكا ، فجعلوها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ، بل لجعلوها بعد دك صروحها وهادا عميقة ، ومهاوي سحيقة ، بقذائف المدافع الضخمة التي تشق الأرض شقا ، وتسحق ما فيها سحقا ، على أنهم قد شرعوا ، فاما ان يجهزوا واما أن ينزعوا . قال تعالى في سورة هود ( 11 : 116 فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ